دعوني أعيش ….

ضاقت بها الدنيا , لم تعد تجد متنفساً لها , قررت أن لا  تقضي يومها هذا  ببيتها ,بقرب أهلها أو حتى أصدقائها , فضلت أن تخلوْ بنفسها بلا صديق ولا قريب,لقد اشتاقت الى ذلك الشاطئ العذب المُحببِ إلى قلبها ,حيث وجدت فيه الصديق الوحيد القادر على الإصغاءِ لها والتعاطف معها .

وصلت إلى  مقعدها الخشبي الذي كانت  تتلاشى  عند مسانده ما بقي في أمواج البحر من قوة, لتذهب تلك الموجة وتختفي بلا عودة  , أخذت أنفاسها بعمق , وبدأ ت الرياح تحرك شعرها ميمنة وميسرة فتدلت بعضُ الخصالِ من  شعرها على وجهها لتُخفي شيئا من حسنه وجماله .

ومع هدير صوت  الأمواج, كانت قد أطلقت العنان لأفكارها , وأعادت بذاكرتها سنة من الماضي  الذي يأبى أن يخرج من حياتها وفكرها , ماضٍ  جعل منها كما كان يرى البعض , بأنها انقص من غيرها , حيث أصبحت  مقصدا ً لمجالس أناس لا يهمهم سوى رمي الآخرين بسهام  ألسِنتِهم , لكن في هذه المرة أصرت على أن تخوض رحلتها بنفسها إلى ماضيها بدلاً من أن يلقي الماضي بنفسه وثقله على كاهل  تفكيرها رغماً عنها , لتُثبت َ على الأقل لنفسها أنها صاحبة حق وأنها هي من ظُلم وليست من ظَلم , وأن كل ما يقال بحقها هو كلام حقدٍ وشماتةٍ وكراهية .

فقد مضى عليها الآن سنة, وهي مطلقةٌ من زوجها , كانت قد  نسيت جمال الشاطئ من حولها وربما نسيت أين كانت  جالسة , لأن عالمها بل وحتى أفكارها قد تحولت إلى مشاهد كانت تكفي لأن تشعرها بأنها لم تُخطئ قرارها في ترك زوجها ,فتذكرت تلك الليالي التي تحولت فيها عيناها إلى بحر ٍ من الدموع  بعد ضربٍ وشتمٍ, وكلام, هشم كرامتها , وهتك بعزة نفسها , ولم تنسى أيضاً كيف كان زوجها يسعى لجعلها رمزا للسخرية أمام الآخرين وكأنها دمية  صُمِمَت لأن تُضحِكَ غيرها , ولم تنسى تلك الليلة ايضا  …., ولم تنسى ذلك اليوم , … ولم تنسى كيف ان, ولم تنسى, ولم تسنى,ولم تنسى ….

اعتقدت المسكينة انها اذا تخلصت من  زوجها الذي هو مصدر عذابها , ستنتهي آلامها ولو بعد حين , وستبدأ بصفحةٍ جديدةٍ  من حياتها تعيد رسم سطورها بحكمة وإتقان , لكنها لم تعي أن هناك أسهمٌ  تترقبها , ستجعلها تعاني أكثر من مما عانته سابقاً, لم تعي بأنها أصبحت مرمى أناس لا يفقهون شيء  في  الحياة سوى رمي الآخرين بحجارتهم من نوافذهم البلورية  .

وبدأ كل شخص ناقص, من  قريب وبعيد , وحتى من بعض الذين يزعمون أنهم أصدقاء  بدؤوا برسم الشكوك حولها وخلق الأقاويل كلٌ على هواه , ولسوء ِ حظها , فهي تعيش في مجتمع لا يهمه سوى النتائج,  ناسيا أو متناسيا الأسباب , ولو كلف نفسه و فكر قليلا بالأسباب لقال البعض  ” خانت زوجها ” لذلك حل بها هذا , وآخر يقول سمعت انها” لم تكن بالزوجة المثالية” , وهناك من اللئيمات الشامتات من  تقول افتراضاً ” لعلها مازالت تراهق وهي الآن تحب رجلاً غير زوجها فأنا اعرف هذه الفتاة جيداً فهي تستحق ما حل بها  ” بالطبع فمثل آولئك كيف لهم أن يعرفوا ماحل بتلك الفتاة  من قهر وحزن وظلم .

فكم هو معيبٌ وظالم ٌميزان  مجتمعنا الذي ما زال متطرفاً في نظرته إلى الذكورية , وما اظلم ميزانه الذي يجعل خطيئة الرجل واحدة وخطيئة المرأة بألف , فلو قيل بأن فلان طلق زوجته لقيل له ما عليك ,فالدنيا مليئة بالفتيات  وبإمكانك أن تتزوج مجدداً وغداً إن شئت ولا تصاب سمعته بلا أدنى خدشٍ , وأما إذا تطلقت  المرأة فتنفتح عليها جبهات  من الملامة  والحساب , لتصبح عند الكثيرين أمرأة فقدت الكثير مما تملكه ,وعليها  قبل أن  تفكر في أن تقول أريد الزواج ثانية  أن تفكر ألف مرة , ولو تملكت الجرأة وطالبت بحقها في الزواج ثانية لكان عليها أن تقبل بالتنازلات لزوجها الجديد , كبعض الأهالي الذين يزوجون بناتهن المطلقات لرجال يكبرنهن بخمسة عشر سنة ,” ولو فكرت تلك الفتاة المسكينة بأن تقول لا على أمر مصيري كهذا لأغلق فمها بلجام من كلام قاس يُكره عليها حياتها”… , لماذا هل لأنها اصبحت مطلقة ؟

فأي حياة ستحيا بعدها بعض الفتيات المظلومات  حقاً في بيت أزواجهن , ويخطأ من يعتقد أن الطلاق يجر العيب والخزي , فالطلاق هو  حق أعطاه الله  إلى كل فتاة مظلومة, وإلى كل زوجين لم يستطيعا الانسجام فيما بينها كحال الكثير من حالات الزواج, قلو تصورنا أن بعض النساء يظلمن ويعذبن وليس بيدهن مخرجً من عذابهن فماذا سيحل بهن؟

وبعد أن أشرفت رحلة تلك الفتاة المسكينة من ماضيها المؤلم على الإنتهاء …

اعادت تلك الدمعة التي انسابت على خد تلك الفتاة,وعيًها وإحساسها بموجات البحر التي اتخذت عند أقدمها مكانا لموتها وتلاشيها,  وهمت بمغادرة المكان مع سؤالٍ, لا ادري لمن كانت تسأله,هل لنفسها, أم للبحر الهائج ,أم للعالم المحيط بها أم لمجتمعها وكل من لاموها, وإن كان صوتها لا يسمع إلا أُذنها,و مشت متمتمةً قائلة بأي ذنب أحاسب هكذا ؟.

لم أكن اقصد من ما كتبته بأن النساءَ هن وحدهن المظلومات في كل حادثة طلاق , ولم اقصد أن الدنيا شُحت من الرجال الطيبين , ولكن ما قصدته هو أن نرحم آهل البلاء , فهم لا يحتاجون لتعاطفنا معهم بقدر ما يحتاجون إلى أن لا نرميهم بلهبٍ من حصادِ ألسنتنا , وعلينا أن نسعى لإصلاح أنفسنا قبل أن نفكر في إصلاح الآخرين .