نريد وطناً أبيض ..

لم يكن الخطأ في عيني أو مرضً في تمييز الألوان, بات ما أعتقد أني أشاهده حقيقةً لايمكن لأحد نكرانها.

أصبحت بلدي لوحة حمراء تنزف من حوافها الدماء, صباحي الدمشقي لونه أحمر, وقهوتي التي أصبحت مُرة غاب فيها السواد وأضحت كلون دم الغزال, جريدتي الصباحية حمراء, ولون العطر أحمر ورائحته كالدم, أغنيتي الفيروزية ( تلج تلج عم تشتي الدنيا تلج, أصبحت دم دم عم يسيل ببلدي الدم)

أسير في شوارع المدينة العتيقة التي لم أرى فيها بقية ألوان الطيف شأنها شأن بقية أخواتها, وإنما أشعر بأن  شوارعها وساحاتها ومياهها ووردها وأزهارها ونهرها الوحيد باتوا وكأنهم قد اكتسوا بثوب أحمر تضامنا ً مع نزيف الأم الكبرى سوريا.

أذهب إلى لوحة الرسم الصغيرة, ابدأ برسم الصورة التي عرفتها وعشقتها لبلدي, تلك الصورة الخالية من الدماء, الجميلة بتعايش أهلها, أتنقل بأصابعي بين الألوان, أمسك اللون الأول فأراه أحمر, واللون الثاني والثالث والرابع… وهكذا أصبحت جميع الألوان حمراء, أقرر معاودة الرسم من جديد, أمسك بالممحاة, أهمش الورقة من شدة الضغط عليها, فأرى الأحمر لا يختفي بل يزداد, أحطم  اللوحة, أُغلق النوافذ, أعود إلى  السرير لعلي أحلم ببلدي الأبيض الذي لطالما عشقت الحياة فيه.

هل يا ترى سأحظى بحلمي ؟

 

كفاية تخوين..كفاية تكفير!

ما زالت بعض العقول العربية محكومة بجملة من التصورات والعبارات والكلمات التي يبني المواطن على أساسها تحليلاته وتفسيراته للأمور, ولا يسعى البعض ممن اسميهم ” المتقوقعين ” إلى مجرد محاولة الخروج من طرق التفكير القاصرة أو محاولة التفكير بطريقة أخرى تغير من منظورنا للأمور, ويبدو جلياً أن المواطن العربي مايزال يعاني من سطوة سيف الاتهامات التي تصب في حقل السياسية أو الدين فيما لو أراد مخالفة الأخر سواء بالموقف أو بالتفكير

ولعل ما يشهده الوطن العربي منذ بداية العام الجاري وحتى لحظة كتابة هذه السطور  دليل واضح على ذلك, ففي غمرة الاحتجاجات والانتفاضات العربية باتت تطفو وبكثرة على الصعيد السياسي عبارات التخوين والعمالة للخارج, والارتباط بأجندات أجنبية يقف ورائها الشيطان والعدو المتربص, إلى جانب إطلاق صفة ” المغرر بهم ” على الطرف الأخر الذي لم يعتد الطرف الأول ” الحكومات ” على رؤيته محتجاً أو مخالفاً للرأي, وبدلا من أن تتم معالجة الأزمة فهي تتفاقم بسبب الإصرار على التخوين والتجريد من شرعية الطرف الأخر عبر العديد من أدوات التجيش وأبرزها الأن وسائل الإعلام, حيث تمتلئ القنوات بطوفان ممن يُسمون أنفسهم ” بالمحللين السياسين ” المحسوبين على جهة ضد أخرى , والذي يحاول كل منهم أن يسبق الأخر باختراع جمل التخوين للأطراف الأخرى, في ظل غياب تام لإحترام الرأي الأخر وحريته والاعتراف بشرعية مطالبه وحقه في التعبير عن رأيه كما يتمتع الأخرين بحق التعبير والظهور الإعلامي والحديث وكأنهم هم وحدهم أصحاب الحق في الكلام وهم وحدهم أبناء الوطن والشرفاء بينما ينكرون وطنية من يقف على الجهة المقابلة.

وماحدث في مصر كان واضح للعيان, فقد تم اتهام شباب ميدان التحرير بأنهم مدفوعين من الخارج, يعتصمون من أجل ” وجبة كنتاكي” وعلبة “بيبسي” وغيرها من الاتهامات التي كانت تسعى إلى تجريد المعتصمين من شرعية مطالبهم وحقهم في التعبير عن الرأي, ولكن ما حصل في النهاية أن ذهبت الاتهامات وانتصر الشعب واعترف الجميع بشرعية مطالب الشعب المصري وحقه في العيش المتساوي في جميع مناحي الحياة.

أما على صعيد الدين هناك بعض ” رجال الدين ” ممن يريدون العودة إلى زمن صكوك الغفران, فيصفون هذا بالمؤمن وهذا بالكافر, هذا إلى الجنة وهذا إلى النار, فيما يتغاضون عن كثير من التجاوزات التي تقر جميع الأديان السماوية حرمانها وعدم القبول بها, لتتحول مهمتهم الأساسية على الأرض من مصلحين ودعاة حق وخير, إلى منابر لتوزيع الوطنيات أحياناً والتكفير أحياناً أخرى.

وما بين التخوين والتكفير, يصبح الأمر عسيراً وتتزايد خطوط الأزمات تعقيداً, فكيف لمن يُتهم بالخيانة أن يستمع إلى من وضعه في خانة الخيانة والعمالة, وكيف لمن الصقت به صفات الكافر العاصي لأمر الله أن يأخذ بكلام رجال الدين ممن يوزعون كروت دخول الجنة أو النار وكأن العالم يخلو من رب عادل هو أعلم بالنفوس وأدرى بالنوايا لا يخفى عليه شيء وهو رب الجميع.

أرجوكم..

المواطن العربي ملّ لغة التخوين والتكفير.

المواطن العربي سئم تهميش وتشويه مطالبه.

المواطن العربي أصبح يصرخ بأعلى صوته رافضاً للمزاودات.

جميعنا أبناء الوطن, لا لتخوين الأخر, لا لتكفيره.

نعم لاحترام الأخر, نعم لأن يكون الوطن ملك الجميع.

نعم للنهوض من أجل مستقبل عربي مشرق.

اضف تعليقك