نريد وطناً أبيض ..

لم يكن الخطأ في عيني أو مرضً في تمييز الألوان, بات ما أعتقد أني أشاهده حقيقةً لايمكن لأحد نكرانها.

أصبحت بلدي لوحة حمراء تنزف من حوافها الدماء, صباحي الدمشقي لونه أحمر, وقهوتي التي أصبحت مُرة غاب فيها السواد وأضحت كلون دم الغزال, جريدتي الصباحية حمراء, ولون العطر أحمر ورائحته كالدم, أغنيتي الفيروزية ( تلج تلج عم تشتي الدنيا تلج, أصبحت دم دم عم يسيل ببلدي الدم)

أسير في شوارع المدينة العتيقة التي لم أرى فيها بقية ألوان الطيف شأنها شأن بقية أخواتها, وإنما أشعر بأن  شوارعها وساحاتها ومياهها ووردها وأزهارها ونهرها الوحيد باتوا وكأنهم قد اكتسوا بثوب أحمر تضامنا ً مع نزيف الأم الكبرى سوريا.

أذهب إلى لوحة الرسم الصغيرة, ابدأ برسم الصورة التي عرفتها وعشقتها لبلدي, تلك الصورة الخالية من الدماء, الجميلة بتعايش أهلها, أتنقل بأصابعي بين الألوان, أمسك اللون الأول فأراه أحمر, واللون الثاني والثالث والرابع… وهكذا أصبحت جميع الألوان حمراء, أقرر معاودة الرسم من جديد, أمسك بالممحاة, أهمش الورقة من شدة الضغط عليها, فأرى الأحمر لا يختفي بل يزداد, أحطم  اللوحة, أُغلق النوافذ, أعود إلى  السرير لعلي أحلم ببلدي الأبيض الذي لطالما عشقت الحياة فيه.

هل يا ترى سأحظى بحلمي ؟

 

Advertisements

أمي .. أم الشهداء

استيقظت الأم صباحاً على صوت جرس الساعة

كانت عقارب الساعة تشير إلى الحادية عشر, ابتسمت الأم ابتسامة خفيفة وعدلت من جلستها, نظرت إلى باب الغرفة, وبدا على وجهها معالم انتظار أحد الأحبة, كانت تنتظر دخوله حاملاً باقة الياسمين الأبيض, فهي لا تشعر بجمال الياسمين ورائحته إلا من يديه وإن كان ذلك لمرة واحدة في العام .

لم يدخل أحد بعد ولم يمسك أحداً يديها ليقبلها أو يقبل جبهتها, ومضت الساعة الاولى من الوقت والأم في انتظار, بينما كانت أجراس المنازل الأخرى تٌدق وكانت أصوات المعايدات ترتفع من الأبناء في الشقق المجاورة.

بقيت الأم بجسدها داخل حيطان الغرفة الأربع,  بينما بدأت ذاكرتها برحلة مع صور الماضي, تذكرت ابتسامة ابنها  اللطيفة وحبه للحياة, وابتسمت عندما تذكرت اندفاع شبابه وغيرته على وطنه وأهله, تذكرت كلماته عن التضحية والعطاء, وراحت تتمتم أغانيه الحماسية المفضلة, وكان واضحاً أن الأم غارقة في بحر الذكريات لأنها لم تعد تشعر بحرقة الدموع التي وصلت إلى عنقها.

وبعد أن تبسمرت عينيها على باب الغرفة الذي لم يُفتح بعد, ونفذ صبر الأم وأدركت أنه لن يعود مجدداً, و انتهت رحلة أحلامها مع صور ابنها وكانت الدموع قد بللت عقدها الذي أهداها إياه ابنها في العام الماضي, حركت الأم من نظرها قليلاً وبدأت صرخات اللوعة وحرقة القلب تتصاعد شيئا ً فشيئاً, لتشعر بقسوة الواقع وبالوحدة التي ستكمل بها حياتها بعد أن رأت صورة ابنها التي كُتب تحتها اسمه مسبوقاً بكلمة الشهيد البطل .

ذهب الابن الغالي, ذهب الابن الغالي.. قالت الأم وهي تمسك بالعقد الذي يلف عنقها بعد أن امتزج بالدمع

ضمت الأم صورة ابنها الشهيد إلى صدرها وصرخت بأعلى صوت .. ذهب من كان عيدي, لا عيد ليّ اليوم بدون ابني, أما على الشرفات الأخرى المقابلة لغرفة أم الشهيد, كانت الأمهات تعانق أبنائهن وتتعالى صيحات الاحتفال .

 إلى أمهات الشهداء أقول: ابنائكن في قلوبنا, والله لن ننساهم وهم الذين ضحوا بأنفسهم لتحيى بقية الأمهات.

وإلى أنباء أمهاتنا الشهيدات أقول : أمهاتنا هم أمهاتكم

أم الشهــــــــــــــــــــــــــيد نحن  أولادك

اضف تعليقك